مشهد جديد .. عبدالسميع العمراني : هل تتسبب الحرب الاقتصادية التي أشعلها ترامب في فتح صفحات جديدة لعلاقات السودان مع دول معادية !!

أثارت القرارات الاقتصادية الأخيرة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب و الذي جاءت قراراته كأسمه الذي يعني الصخب او نافخ البوق ، فقد أثارت قراراته الاخيرة الكثير من الصخب وردود الأفعال الاقتصادية العنيفة ، خاصة في دول الاتحاد الأوربي ، إذ أعلنت رئيسة وزراء إيطاليا جورجيا ميلوني رفضها القاطع للرسوم الجمركية بنسبة 20 ٪ والتي فرضها الرئيس الأمريكي علي الواردات الأوربية لأمريكا ، وفي نفس الإطار عبر كل من رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك ورئس الوزراء البولندي مايكل مارتن ورئيس الوزراء السويدي اولف كريستون ، عبروا جميعهم عن رفضهم لتلك الرسوم الجمركية العالية التي فاجأهم بها الرئيس الأمريكي ترامب ، فيما أصدر كل من وزراء التجارة في دول النرويج نيوزيلندا وفرنسا بيانات منددة بتلك الرسوم الجمركية مشيرين الي انها ستؤدي الي زعزعة التجارة العالمية وقد تسبب في موجة غلاء لأسعار السلع والخدمات وحدوث تضخم في بعض البلدان الأوربية.
أما في كندا والتي تبدو هي الأكثر تأثرا بتلك الرسوم من واقع حجم التبادل التجاري بينها والولايات المتحدة ، إذ كانت ردود أفعال المسئولين الكنديين عنيفة باتجاه قرارات ترامب وتصريحاته المعادية والمستفزة حول كندا بكونه قد صرح بالقول ساخرا (أنني اعتبر كندا الولاية رقم 51 في الولايات المتحدة) ، وجاء بعدها القرار الأمريكي بفرض رسوم جمركية قاسية علي الواردات الكندية لأمريكا وخاصة السيارات الكندية، إذ بلغت جملتها 25٪ ، ما اعتبرتها كندا تدميرا لصناعة السيارات الكندية ، ورغم الشد والجذب والحرب الكلامية المتبادلةبين الطرفين الا ان الرئيس الأمريكي ترامب قد تواصل هاتفيا مع رئيس الوزراء الكندي الجديد والذي تسلم منصبه في 14 فبراير الماضي خلفا لرئيس الوزراء السابق جاستن ترودو.
وبعد المكالمة ادلي الرئيس الأمريكي بتصريح مقتضب أشار خلاله بالقول ” أنني انهيت مكالمة مثمرة مع رئيس الوزراء الكندي مارك توني واتفقنا في عدد من النقاط وسنعقد اجتماعا مشتركا في 28 أبريل 2025 م.” .
ومن جانبه كانت تصريحات رئيس الوزراء الكندي مختلفة نوعا ما عن النبرة المتفائلة ترامب ، إذ صرح بالقول ” ان أقدام الرئيس الأمريكي علي تنفيذ قراراته بشأن الرسوم الجمركية العالية علي الواردات الكندية للولايات المتحدة يعني ضمنيا نهاية التعاون الاقتصادي والأمني والعسكري بين البلدين ” مضيفا بالقول انه لن يشارك في اي مفاوضات تجارية مع الولايات المتحدة الا بعد أن يظهر ترامب احترامه لكندا.
وعلي ذات المنوال كانت هنالك ردود أفعال غاضبة من الصين والتي عبرت عن رفضها القاطع لسياسة ترامب الاقتصادية الجديدة ، واكدت وزيرة التجارة الصينية ان بلادها ستتخذ إجراءات مضادة لحماية حقوقها ومصالحا ، في حين عبرت دول أمريكا اللاتينية عن رفضها الشديد للرسوم الجمركية التي فرضها ترامب ، إذ وصفت كل من كولمبيا والبرازيل و فنزويلا القرارات الأمريكية الجديدة بأنها ستؤثر بشكل مباشر علي التجارة الدولية .
اذن الرئيس الأمريكي ترامب وهو الرئيس الأكثر إثارة وجدلا من بين كل الرؤساء الأمريكيين الذين تعاقبوا علي البيت الأبيض منذ ابراهام لونكلن ، قد اوقد نارا للحرب التجارية التي تنتظم العالم الان ، وربما تتماشي تلك الحرب مع مزاج و سياسات وسلوك الرئيس الأمريكي وهو الذي يحاول بقدر الإمكان الابتعاد عن الملفات السياسية والاخلاقية والإنسانية وقضايا حقوق الإنسان ، فقد ردد أكثر من مرة ان قضايا حقوق الانسان لاتعنيه كثيرا ، فهو يركز بدرجه كبيرة علي ان تكون الريادة والسيادة للولايات المتحدة بعد أن تكون هي الدولة الاغني في العالم ، مشيرا الي ان زيادة الرسوم الجمركية علي الدول التي تتعامل معنا تجاريا دليل علي اننا نهتم بشعبنا وأننا نحفظ حقوق العامل الأمريكي ، مضيفا بالقول يمكننا حقا ان نكون أثرياء للغاية ، وأن نكون أثري بكثير من اي دولة ، الأمر لايصدق، لكننا سنصبح أكثر ذكاءا.
و ترامب الذي يرفض التدخلات الأمريكية في أوكرانيا بل انه وكما ظهر من خلال عدد من التصريحات حتي امام الرئيس الأوكراني، ظهر كما ولو أنه مناصرا لروسيا، معبرا عن رفضه التام لتقديم اي نوع من انواع الدعم لأوكرانيا بل طالبها بأن تعيد الأموال وتكاليف المعدات العسكرية التي قدمتها الولايات المتحدة الأمريكية في عهد بايدن لدولة أوكرانيا مساعدتها في حربها ضد روسيا مشيرا الي ان إدارة بايدن بغباء قد صرفت مبلغ 350 مليار دولار وتلك الأموال يحتاجها الاقتصاد الأمريكي ، وقد حاول ترامب إجبار زيلينسكي علي توقيع اتفاق سلام بصورة عاجلة مع روسيا ، و ترامب يبدو مهووسا بجني الأموال فقط ، ويعمل بشكل جنوني علي تقوية الاقتصاد الأمريكي مهما كانت النتائج وردود الأفعال العالمية بشأن سياساته التجارية الجديدة .
إجمالا مايهمنا من تلك التحولات الجديدة التي حدثت في الولايات المتحدة بعد صعود دونالد ترامب ، هي بالتأكيد ربما في صالح السودان سياسيا واقتصاديا ، لان بروفايل السودان لدي الإدارة الأمريكية منذ عقود طويلة ظل مرتفعا وبشكل خاص عملت إدارة بايدن وطوال الفترة الماضية علي دعم اي توجهات معادية للسودان، وما يؤكد علي ذلك وصول السلاح الأمريكي المتطور الي أيادي المتمردين في قلب الخرطوم وبكميات كبيرة في مرورا بالإمارات الحليف الاستراتيجي لها وعبر الأراضي التشادية ، وهو حتما إجراء متفق عليه بين الديمقراطيين ودولة الإمارات ، فلن تتجرأ الإمارات علي توزيع أسلحة أمريكية عالية التقانة دون ضوء أخضر من جهات امريكيه نافذة كما أن الولايات المتحدة الأمريكية ظلت تقود خطا معاديا للسودان بمجلس الأمن الدولي ، وذلك عبر تنسيق سياسي وامني مع كل من بريطانيا وفرنسا ودولة الإمارات وعدد اخر من دول الاتحاد الأوربي. ولكن الولايات المتحدة الأمريكية بشكل خاص كانت هي قائدة مشروع التغيير بالقوة في السودان
وربما كان السودان هو الدولة الاعلي نسبة في اتخاذ قرارات او مناقشة لقضاياه بمجلس الأمن الدولي.
فوفقا لاحصائية توردها عدد من الخبراء ان مجلس الأمن الدولي قد اتخذ أكثر من 60 قرارا عن السودان وحده وعدد اخر لايحصي من جلسات الاستماع بمجلس الأمن الدولي عن قضايا داخلية سودانية ، وهذا بالطبع يشير إلى مستوي وحجم التدخلات والاهتمام الذي كانت توليه الادارات الأمريكية المتعاقبة.
الان وقد تغيير كل شي ويبدو ان ترامب لايكثرث كثيرا لمصطلحات ظلت تلوكها تلك الجهات المعادية للسودان مثل الحكم المدني والتحول الديمقراطي السريع وغيرها من الحجج التي تسوقها تلك الدول للضغط علي السودان.
وما يجب علينا أن ندركه في الوقت الحالي ، ان الحرب الباردة التي تنتظم العالم الان يحركها الاقتصاد والموارد بشكل خاص، ونحن رغم كل نكباتنا والامنا وجراحنا بسبب الحرب المشتعلة في الغرب وبعض أطراف الجنوب ، ولكن لدينا العديد من اوراق اللعب التي تمكننا من الدخول في حلبة الصراع الاقتصادي العالمي ، فهو صراع يدور حول الموارد وحركة التجارة العالمية .
وليس صعبا ان نفتح صفحات جديدة مع عدد من الدول التي كانت قد أصدرت بعض القرارات المعادية للسودان بعد نشوب الحرب في السودان ، مثل كندا والتي كانت قد أصدرت عقوبات علي رئيس مجلس السيادة وحاولت المساواة في التعامل بينه وقائد المليشيا المتمرد المختفي عن الانظار حميدتي، وقد فعلت جهات كندية ذلك ارضاءا للولايات المتحدة وتماشيا وتوافقا مع سياسات الإدارة الأمريكية السابقة المعادية للحكومة السودانية ، اما في الوقت الحالي فلا كندا او ترامب يهتمون كثيرا بقرارات سابقة صدرت في عهد الادارتين السابقتين الكندية والامريكية.
فيمكن لنا ومن خلال التركيز علي المصالح الاقتصادية ومع بشائر النصر علي التمرد والذي يلوح في أفق قريب، يمكن ان نفتح صفحات جديدة مع تلك الدول مثل كندا والبرازيل وغيرها من الدول التي تضررت من سياسات ترامب الاقتصادية، إذ يمكن لوزارات الخارجية والتجارة والتعاون الدولي ان تعد ملفات ذات اهتمام مع كندا خاصة ملفات الشركات الكندية التي كانت موجودة بالسودان في مجالات النفط والزراعة ومؤخرا المعادن والذهب ، فيمكن توجيه الدعوة لتلك الشركات الكندية للعودة للاستثمار مرة اخري بالسودان ، وتشير الي ان خروج تلك الشركات الكندية كان قد تم بضغوط عنيفة من الإدارة الأمريكية ، إذ ادت تلك الضغوط لخروج كل من شركة بتروليام استيت الكندية وشركة تليسمان العامليتين في حقل هجليج النفطي وكذلك خروج الشركة الكندية التي كانت تستثمر في مشاريع بمنطقة سمسم الزراعية بولايتي القضارف وسنار وخروج شركة كندية كانت قد بدأت الاستثمار في المعادن ، فنحن لدينا سلعا نادرة منافسة عالميا وهي الاكثر طلبا في العالم مثل الصمغ العربي والقطن واللحوم والمعادن النفيسة، وعدد اخر من المنتجات الزراعية و التي قد لاتوجد بجودة عالية الا في السودان.
فأن توفرت الارادة الوطنية واولينا الاهتمام بالقطاع الزراعي والحيواني وقطاع المعادن ، يمكننا خلال فترة وجيزة ان ندخل الي السوق العالمي بعدد يقارب المليون طن من الصمغ العربي بدلا عن الثلاثون الف طن التي نصدرها الان الي العالم وهو رقم ظل جامدا منذ سنوات طويلة رغم ان الصمغ مطلوب عالميا مثله مثل أي سلعة نادرة في العالم والاف الاطنان من الذهب والمعادن النفيسة الاخري .