خبر وتحليل: عمار العركي _الخرطوم تلتقي الرياض في مكة وترسل أبوظبي الي لاهاي

________________
▪️في خضم التوترات المتزايدة في منطقة الخليج والشرق الأوسط، والقرن الإفريقي ، يبقى السودان في قلب معادلة صراع نفوذ إقليمي بين “الإمارات والسعودية”. فبعد سنوات من التنافس المتصاعد على السيطرة السياسية والاقتصادية في المنطقة، ظهر السودان في مقدمة هذا الصراع بعد أن أصبح محط أنظار كل من “الرياض وأبوظبي”، كل منهما يسعى إلى تأكيد نفوذه على أرضه. وفي هذا السياق، تأتي زيارة الفريق أول “عبد الفتاح البرهان”، إلى مكة المكرمة في خطوة غير تقليدية، تؤكد مخرجات الزيارة بأن السودان لاعب اساسي في توازنات الصراع .
*جذور الصراع السعودي الإماراتي*
▪️تتعدد جذور الصراع الإماراتي السعودي في قضايا عديدة ، تعكس التنافس المستمر بين الدولتين على النفوذ في العديد من الملفات الإقليمية الحيوية. إحدى أبرز هذه القضايا هي الصراع في.اليمن وفي البحر الأحمر،. وتنافس السيطرة على ميناء عدن الجنوبي وموانئ البحر الأحمر، بما فيها موانئ في إريتريا والصومال، أصبحت عنصرًا استراتيجيًا في هذا الصراع.
▪️الإمارات تسعى إلى تعزيز وجودها العسكري في البحر الأحمر من خلال الاستثمارات في موانئ استراتيجية ، بينما ترى السعودية في البحر الأحمر منطقة حيوية جدًا لأمنها القومي، مما يدفعها إلى تعزيز وجودها العسكري على ضفاف البحر الأحمر، سواء في جيبوتي أو من خلال دعم قوات التحالف العربي في اليمن او.من خلال كيان مجلس الدول الثمانية المشاطيئة للبحر الاحمر وخليج عدن .
▪️على صعيد آخر، تبرز قضية القواعد العسكرية كجزء رئيسي من الصراع بين الإمارات والسعودية. فالإمارات تسعى لبناء قواعد عسكرية خارج حدودها لتعزيز قدرتها على التدخل في الملفات الإقليمية. بينما تسعى السعودية إلى الحفاظ على تفوقها العسكري في المنطقة، سواء من خلال تعزيز قواتها في البحر الأحمر أو من خلال اتفاقات استراتيجية مع القوى الكبرى التي تدعم وجودها في المنطقة.
▪️من جانب آخر، يمثل النفط والغاز أحد العوامل الأساسية في صراع الدولتين، حيث أن الإمارات والسعودية تعتبران من أكبر منتجي النفط في المنطقة. تسعى الإمارات إلى تعزيز استثماراتها في حقول النفط والمصادر الطاقية في عدة دول، بما في ذلك السودان، بينما تحاول السعودية المحافظة على هيمنتها على طرق نقل النفط في البحر الأحمر، في إطار سعيها للهيمنة على أسواق النفط العالمية.
*الصراع حول السودان*
▪️صراع النفوذ والمصالح الإماراتية السعودية في السودان ليس حديث العهد، ، تجسد في محاولات كل من البلدين للهيمنة على مفاصل القوة في السودان، خاصة في ظل الأزمة السياسية والاقتصادية التي شهدتها البلاد منذ الثورة في 2019. بين دعم المملكة العربية السعودية للسودان في محافل الإقليمية والدولية، وفي توجيه مساعدات اقتصادية مباشرة لدعم حكومة الخرطوم الانتقالية، كانت الإمارات تبحث عن موطئ قدم في السودان لتحقيق مصالحها الخاصة، سواء من خلال استثمارات في قطاع الطاقة والموانئ أو من خلال دعم “حكومة قحت”، بهدف تعزيز دورها الإقليمي في معادلة الصراع.
▪️تجسد هذا التنافس بوضوح في سياسات الدعم والضغوط التي مورست على السودان في أعقاب الثورة، حيث حاولت الإمارات التأثير على المشهد السياسي السوداني من خلال تقديم الدعم سياسي لقحت والعسكري لمجموعات عسكرية معينة من خلال اتفاقيات تعاون أمني للدعم السريع ، بينما كانت السعودية تركز على بناء علاقات وثيقة مع الحكومة السودانية الانتقالية من خلال القنوات الدبلوماسية، والضغط على قوى الثورة من أجل ضمان استقرار السلطة.
*لقاء مكة: عنوانه ان السودان فاعل ومؤثر في الصراع*
▪️في هذا السياق، يأتي لقاء مكة بين البرهان والمبعوث السعودي ليخرج بتوصيات تشكل رسالة هامة حول دور السودان كفاعل رئيسي في هذا الصراع الإقليمي. اللقاء، تزامن مع الإعلان عن بدء جلسات المحاكمة في 19 ابريل الحاري للفصل.في دعوى السودان ضد الإمارات أمام محكمة لاهاي.
▪️في “مكة”، سعى البرهان إلى التأكيد على استقلالية السودان في اتخاذ قراراته السياسية، بعيدًا عن أي ضغوط إقليمية. وقد ظهر في حديثه تأكيد واضح على حرص السودان على الحفاظ على علاقات متوازنة مع جميع الأطراف، وفي ذات الوقت، سعى إلى التأكيد على أن السودان لن يكون أداة في الصراع بين الدولتين الكبيرتين. هذه الرسالة التي وجهها البرهان تعد خطوة هامة في محاولة لتأكيد دور السودان كطرف مستقل قادر على التأثير في التوازنات الإقليمية.
*دعوى السودان ضد الإمارات في محكمة لاهاي*
▪️نزامنا مع لقاء “مكة “الاستراتيجي بين “البرهان وولي العهد السعودي”، اعلنت محكمة العدل الدولية عن بداية محاكمة الإمارات في “لاهاي” مقدما السودان خدمة اعاقة لصالح لمنافستها السعودية، وفي ذات الوقت يعقد إتفاقات استراتيجية مع السعودية ، مما يشير الي أن السودان أصبح بالفعل طرفًا محوريًا في صراع الإمارات والسعودية،. هذا التحول يضع السودان أمام تحدي تعزيز دوره كلاعب رئيسي في تسوية هذه التوترات الإقليمية. وتحقيق مصالحه .
إن دور السودان في هذا الصراع يمكن أن يكون له آثار بعيدة المدى على توازنات القوى في منطقة الخليج والقرن الأفريقي.
▪️في الوقت الذي تسعى فيه الإمارات والسعودية لتأكيد نفوذهما، قد تجد الخرطوم فرصتها لتحقيق مكاسب استراتيجية من الطرفين ، سواء على الصعيد السياسي أو الاقتصادي، اضافة لفرصة تعزير التحالفات مع القوى الكبرى،
*خلاصة القول ومنتهاه:*
▪️من خلال تحليل الأبعاد الاستراتيجية للصراع الإماراتي السعودي وتأثيره المباشر على السودان، يتضح أن الخرطوم تقع في قلب معادلة إقليمية معقدة، تتداخل فيها المصالح السياسية والاقتصادية والأمنية. وفي ظل الصراع المتصاعد بين الرياض وأبوظبي، يبرز السودان كطرف محوري يمكنه لعب دور حاسم في إعادة توجيه هذا الصراع بما يخدم مصالحه الوطنية، إذا ما أجاد إدارة التوازنات بين الدولتين.
من خلال إدارة حكيمة للصراع بين الإمارات والسعودية، يمكن للسودان أن يستفيد من هذه التوترات لتأكيد استقلاله السياسي وتعزيز مكانته الإقليمية والدولية. الاستفادة الحقيقية تكمن في قدرة السودان على توظيف علاقاته مع كل من الرياض وأبوظبي لتحقيق مكاسب استراتيجية، من خلال دعم التنمية الاقتصادية وتحقيق الاستقرار السياسي الداخلي، مع الحفاظ على سيادته في اتخاذ القرارات. كما أن الانخراط في القنوات القانونية، كما تمثلها دعوى محكمة لاهاي، يمكن أن يعزز من موقف السودان في مواجهة التدخلات الخارجية التي تعيق تقدمه.
▪️إدارة هذا الصراع لا تعني بالضرورة الانحياز الكامل لطرف دون الآخر، بل تقتضي حكمة في خلق توازنات تضمن عدم التأثير على الاستقلالية السياسية للسودان، وتفتح له أفق التعاون مع الدولتين بما يحقق الفائدة على المستوى الاقتصادي والسياسي. إذا ما استطاع السودان استغلال هذه الفرص بحنكة، فإنه سيعزز من قدرته على تحديد مستقبله بعيدًا عن التدخلات الخارجية، ويصبح لاعبًا مؤثرًا في رسم ملامح الاستقرار الإقليمي في منطقة البحر الأحمر والخليج.
▪️في النهاية، يمكن للسودان أن يخرج من هذه الصراعات الإقليمية ليس فقط كطرف متأثر، بل كطرف فاعل يساهم في رسم التوازنات السياسية والاقتصادية، شريطة أن يتحلى بالحكمة والقدرة على استثمار هذه اللحظة التاريخية لتحقيق مصالحه الوطنية.