ياسر الفادني يكتب: سجون المليشيا…مقابر بلا شواهد

على مرِّ التاريخ، كانت الحروب مسرحًا لمآسي لا تُحصى، وكان الأسرى دومًا وقودًا لنيران القهر والانتقام، لقد شهدت الإنسانية عبر العصور جرائم بشعة ضد الأسرى، من محاكم التفتيش الإسبانية إلى السجون النازية، ومن معسكرات الاعتقال اليابانية إلى سجون الاحتلال في العصر الحديث. كانوا يُحرمون من الطعام والماء، يُعذَّبون بطرق وحشية، يُتركون فريسةً للجوع والمرض، يُدفنون أحياء أو تُستخدم أجسادهم حقلًا للتجارب، كان العالم يصرخ، وكانت الإنسانية تئن، وكانت القوانين الدولية تتطور لتجعل من هذه الجرائم محظورة دوليًا، لكن هل توقف الجلاد عن ساديته؟

إنَّ القانون الدولي، وفقًا لاتفاقيات جنيف، يجرِّم تمامًا تعذيب الأسرى أو إذلالهم أو معاملتهم بوحشية، تنص المادة الثالثة المشتركة بين إتفاقيات جنيف على ضرورة معاملة الأسرى بإنسانية، وتحظر تعريضهم للتعذيب الجسدي أو النفسي، أو إتخاذهم رهائن، أو حرمانهم من الطعام والماء والرعاية الطبية، كما تفرض المادة 17 من اتفاقية جنيف الثالثة حظر استخدام العنف أو التهديد ضد الأسرى لإجبارهم على الإدلاء بمعلومات، وتعتبر أي انتهاك لهذه الحقوق جريمة حرب تستوجب المحاسبة، فكيف يفسر العالم إذًا ما جرى للأسرى الذين خرجوا من سجون مليشيا الدعم السريع في السودان؟

لقد أُفرج عنهم بعد أن أستُهلكت أجسادهم، خرجوا يحملون في عيونهم الموت الذي رأوه، بعضهم لم يصمد ليسرد ما تعرض له، رحلوا بعدما نهشهم الجوع والعطش والتعذيب ، أين كان الضمير الإنساني حين كانوا يتضورون جوعًا حتى ماتوا؟ أين كانت منظمات حقوق الإنسان حينما تحوَّلت السجون إلى مقابر حية؟ لا يزال الكثير من الأسرى مفقودين، وعلى رأسهم اللواء أنس عمر والدكتور الحزولي، وغيرهم من أبناء السودان الذين لا يُعرف إن كانوا أحياء أم فارقوا الحياة تحت وطأة التعذيب

أين المجتمع الدولي الذي صرخ في وجه جرائم مماثلة في أماكن أخرى؟ لماذا يُخرس صوته الآن؟ أين المنظمات التي تتشدَّق بحقوق الإنسان حين يُقتَل الأبرياء في الزنازين تحت سياط القهر؟ أي قانون في العالم يسمح بهذه البشاعة؟ وأي تواطؤ هذا الذي يُغطي على هذه الجرائم تحت ذريعة الصمت؟
ه
اني من منصتي انظر بحسرة واسف علي مايحدث واقول : إنَّ هذه المجازر ضد الأسرى لن تُنسى، وسيظل وصمة عار تلاحق القتلة ومن تستر عليهم ، لن يسقط حق هؤلاء الضحايا بالتقادم، ولن يموت صوتهم حتى وإن قتلهم الجلاد، على العالم أن يسمع، على الضمير الإنساني أن يستيقظ، وعلى الشعب السوداني ألا ينسى أن بينه مفقودين لا يعرف أحد مصيرهم، وأسراه ماتوا ظمأ وجوعًا في سجون الموت، إذا كان الصمت لغة العالم، فليكن الغضب هو لغتنا حتى تتحقق العدالة…. لعن الله من فعل ومن طغي وتجبر .

مقالات ذات صلة